محمد بن جرير الطبري
151
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
اعْبُدُوا اللَّهَ الذي له العبادة ، وذلوا له بالطاعة واخضعوا له بالاستكانة ، ودعوا عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة ، فإنه ليس لكم معبود يستوجب عليكم العبادة غيره ، فإني أخاف عليكم إن لم تفعلوا ذلك عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني : عذاب يوم يعظم فيه بلاؤكم بمجيئه إياكم بسخط ربكم . وقد اختلفت القراء في قراءة قوله : غَيْرُهُ فقرأ ذلك بعض أهل المدينة والكوفة : " ما لكم من إله غيره " يخفض " غير " على النعت لإله . وقرأ جماعة من أهل المدينة والبصرة والكوفة : ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ برفع " غير " ، رد الهاء على موضع " من " لأن موضعها رفع لو نزعت من الكلام لكان الكلام رفعا ، وقيل : ما لكم إله غير الله ، فالعرب لما وصفت من أن المعلوم بالكلام أدخلت " من " فيه أو أخرجت ، وأنها تدخلها أحيانا في مثل هذا من الكلام وتخرجها منه أحيانا ترد ما نعتت به الاسم الذي عملت فيه على لفظه ، فإذا خفضت فعلى كلام واحد ، لأنها نعت لإله ؛ وأما إذا رفعت ، فعلى كلامين : ما لكم غيره من إله ، وهذا قول يستضعفه أهل العربية . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب مشركي قوم نوح لنوح ، وهم الملأ والملأ : الجماعة من الرجال لا امرأة فيهم أنهم قالوا له حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له : إِنَّا لَنَراكَ يا نوح فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعنون : في أمر زائل عن الحق ، مبين زواله عن قصد الحد لمن تأمله . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول تعالى ذكره : قال نوح لقومه مجيبا لهم : يا قوم لم آمركم بما أمرتكم به من إخلاص التوحيد لله وإفراده بالطاعة دون الأنداد والآلهة زوالا مني عن محجة الحق وضلالا لسبيل الصواب ، وما بي ما تظنون من الضلال ، ولكني رسول إليكم من رب العالمين بما أمرتكم به من إفراده بالطاعة والإقرار له بالوحدانية والبراءة من الأنداد والآلهة . القول في تأويل قوله تعالى : أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه الذين كفروا بالله وكذبوه : ولكني رسول من رب العالمين أرسلني إليكم ، فأنا أبلغكم رسالات ربي ، وأنصح لكم في تحذيري إياكم عقاب الله على كفركم به وتكذيبكم إياي وردكم نصيحتي . وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من أن عقابه لا يرد عن القوم المجرمين . القول في تأويل قوله تعالى : أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وهذا أيضا خبر من الله عز ذكره عن قيل نوح لقومه أنه قال لهم إذ ردوا عليه النصيحة في الله ، وأنكروا أن يكون الله بعثه نبيا ، وقالوا له : ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ يقول : أو عجبتم أن جاءكم تذكير من الله وعظة ، يذكركم بما أنزل ربكم على رجل منكم . قيل : معنى قوله : عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ مع رجل منكم ؛ لِيُنْذِرَكُمْ يقول : لينذركم بأس الله ، ويخوفكم عقابه على كفركم به . وَلِتَتَّقُوا يقول : وكي تتقوا عقاب الله وبأسه ، بتوحيده وإخلاص الإيمان به والعمل بطاعته . وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يقول : وليرحمكم ربكم إن اتقيتم الله وخفتموه وحذرتم بأسه . وفتحت الواو من قوله : أَ وَعَجِبْتُمْ لأنها واو عطف دخلت عليها ألف استفهام . القول في تأويل قوله تعالى : فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ يقول تعالى ذكره : فكذب نوحا قومه ، إذ أخبرهم أنه لله رسول إليهم يأمرهم بخلع الأنداد والإقرار بوحدانية الله والعمل بطاعته ، وخالفوا أمر ربهم ولجوا في طغيانهم يعمهون ، فأنجاه الله في الفلك والذين معه من المؤمنين به . وكانوا بنوح عليه السلام ثلاث عشرة ، فيما : حدثني به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : نوح وبنوه الثلاثة : سام ، وحام ، ويافث وأزواجهم ، وستة أناسي ممن كان آمن به . وكان حمل معه في الفلك من كل زوجين اثنين ، كما قال تبارك وتعالى : وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ والفلك : هو السفينة . وَأَغْرَقْنَا